على هذه الصفحة نموذجان اخترناهما للقارئ لإعطائه فكرة عن طبيعة المادّة المعرفيّة والمنهجيّة المتّبعة في الكتاب.
النّموذج الاوّل مكتوب بالفصحى، ومقتطف من الفصل الثّاني من الكتاب، ويمثّل خاتمة النّقاش المنهجيّ حول أوجه التّشابه والاختلاف بين اللّغة الفصحى واللّغة اللّبنانية، وتقديم مصطلح المؤلّف لوصف الوضع اللّغويّ الحالي: "الثّنائيّة-اللّغويّة المُعيقة" Debilitating Diglossia:
"وبالمقابل، ثمّة من يدّعي إنّهما لا تلتقيان بتاتًا، وادّعاء كهذا لا يقلّ تطرّفًا وخطأً عن الادّعاء بأنّهما لغة واحدة. فالأوّل هو ادّعاء من يزعجهم أنّ الفصحى لن تتمكّن من الحلول محلّ اللّبنانيّة، والثّاني بالمقابل هو ادّعاء من ينزعجون من تشابههما وانتمائهما الواحد. اللغتان إذًا تلتقيان ولكنّهما لا تتطابقان.
يُطلق الباحثون تسمية Diglossia على حالة الثّنائيّة اللّغويّة أي حين يستعمل شعبٌ ما لغةً معيّنة لمجموعةٍ معيّنة من ظروفه، بينما يستعمل لغة أخرى لما تبقّى من ظروفه. وهذا هو وضعنا الحالي مع اللّبنانيّة والفصحى.
وتتعدّى صعوبةُ وضعِنا ثنائيّة اللّغة إلى ما هو أشدّ خطورة، وتحديدًا إلى عدم اجتماع الرُّكنَين الأساسيّين لتملّك اللّغة في أيّ من لغتينا، أيّ (استعمال ولو واحدة منهما لغة في الحياة اليوميّة - ودراستها النّظاميّة) في آن. وسأستعمل لهذا الوضع مصطلح Debilitating Diglossia أي ‘الثنائيّة-اللّغوية المُعيقة’، أو باختصار ‘الثّنائية المُعيقة’. فهذه الثنائيّة، كما سنَرى، مُعيقةٌ لتواصل الثّقافة عبر الأجيال، ولوضوح الانتماء والتّقدّم المعرفيّ وسلامة الاقتصاد.
[1]- هناك أنواع عديدة من الثنائيّات اللّغوية منها ما له مفاعيل سلبية ومنها ما له مفاعيل إيجابية، وبحث فيها مطولا اللّغوي لويس جان كالفي Louis-Jean Calvet في كتابه «حرب اللّغات والسّياسات اللّغويّة»."
----------------------------------
النّموذج الثاني مكتوب باللّغة اللّبنانيّة، ومقتطف من الفصل الخامس من الكتاب، ويُعدُّ نموذجًا تطبيقيًا يوضح بالأدلّة اللّغويّة أنّ اللّغة اللّبنانيّة تمتلك علم صرف (Morphology) وقواعد خاصّة بها، تختلف جذريًّا عن تلك المعتمَدة في اللّغة العربيّة الفصحى:
"طبعًا الدّارس عم يشوف تشابه واختلافات بين الفصحى واللّبنانيّه؛ وهذا متوقّع. التّشابه موجود لئَنّهن (لأنهن) تنيناتهن لغّات عربيّه. ئمّا (أمّا) الاختلافات فموجوده لئَنّهن من عَصرين بعاد عن بعضهن زمنًا، ولشعوب مختلفه وببيئات مختلفه. الفصحى كانت لغّة قبائل عربيّه معزوله ببيئة الصّحرا، وتعاملها كان مع جوار فارسي قديم وحبشي قديم وبعدين مع روماني. وكانت تكنولوجيّتهن بتقتصر على توفّر الئَقمشه (الأقمشة) من شَعر الجمل، وعلى السّيف والرمح، والسّكن بخيم ئو (أو) ببيوت بسيطه بدون لا تكيِيف ولا تدفئه بتنذكر، وبدون كهربا: لا برّاد ولا تلفزيون ولا تلفون؛ ولا حتّى جريده يوميّه من ورق - بينما عرب اليوم تجاوزوا حتّى الطباعه عالورق! وما كان في شبكات مۧي، ولا مسكّنات ئلم (ألم) وغيرها من الئدويه (الأدويه)، ولا طرق علاج منعتبرها ئساسيّه (أساسيّة) للكلّ. مع الزّمن الئشيا (الإشيا) المتيسّرِه للئنسان (للإنسان) بتختلف - التّكنولوجيا والصّناعات والئعمال (الأعمال) والموادّ والخدمات اللّي كانت ترافق القديم بتزول؛ وبتجي محلّها تكنولوجيا وصناعات وئَعمال وخدمات ومواد ما كانت موجوده. مع كلّ عصر بتزول بعض ئنماط (أنماط) عيش العصر السابق وكلّ شي ضروري ئلها (إلها)، وبيحلّ محلّها طرق حياة غيرها بتستلزم مفردات وتعابير ما كانت موجوده ... وهكذا دواليك – عصر ورا عصر ورا عصر ...
وللئسف (للأسف)، لئن (لأن) لغّتنا ما انسمحلها تتدوّن، ولا بعصر من العصور من الفتره اللّي بطّلت فيها الفصحى لغّة النّاس لليوم، صارت المعلومات عن كلّ الئشيا (الإشيا) وطرق الحياة وثقافه وشعر وتعابير وطرق حكي وطقوس تضيع تكرارًا ومرارًا مع مرور كلّ عصر؛ لئنّه كتير منها ما بيتسجّل بالفصحى - لئن الفصحى بطّلت لغة هالتّعابير وهالحياة المختلفه ولغّات النّاس ممنوعة تنكتب! كيف بدّك تسجل مثلًا شعر طلال حيدر ئو مسرحيات زياد الرحباني بالفصحى؟ منترك للقارئـ يجرّب يتخيّل كمّية الثّقافه الهائله اللي انمسحت.
بسّ مهمّ كمان ئنّه القارئـ يضلّ منتبه شو اللّي بقي من الثّقافات بين العصر العباسي والعصر الحالي.
الئشيا الوحيده اللي بقيت هيّي اللّي عن طرق حياة وتعابير وئَشعار العصور الغابره اللّي عمرها ئكتر من ئلف سنه لئنها تدوّنت بلغتها - بالفصحى. كمان مِنْعِيد: عصر ورا عصر ورا عصر... كلّ ئجيالنا بالقرنَين العشرين والحالي كانت وزارات المعارف تعلّمهن عن ئاداب العصور من الجاهليّه لحدّ نهاية الدّوله العبّاسيّة - أمّا ما تبقّى فَـسَمّوه ’عصر الانحطاط!‘ علمًا ئِنُّه حتّى ئَاداب الجاهليّه ما سمّوها ئاداب انحطاط!